ظاهرة التسرب : خطر يهدد مستقبل الاجيال

 

لم تصمد عائلة الطفل محمود (15) عاما تحت انياب الفقر كثيرا ليضطر ولدها محمود الى ترك مقعده الدراسي واهمال حقيبته المدرسية والتوجه الى سوق العمل بحثا عن بضعة شواكل يسد بها شيء من حاجات اسرته الاساسية التي اصبحت في حالة لا يرثى لها بعد تعطل عمل والده في اسرائيل .

 

محمود واحد من الاف الطلبة الفلسطينيين الذين اجبرتهم قسوة الظروف الاقتصادية او لظروف اجتماعية او شخصية اخرى الى التسرب من المدرسة لترتفع وتزداد هذه الظاهرة التي تعد من اخطر الافات التي تواجه العملية التعليمية ومستقبل الاجيال في المجتمعات المختلفة كونها اهدار تربوي لا يقتصر اثره على الطالب فحسب بل يتعدى ذلك الى جميع نواحي المجتمع فهي تزيد معدلات الامية والجهل والبطالة وتضعف البنية الاقتصادية والانتاجية للمجتمع والفرد وتزيد الاتكالية والاعتماد على الغير , كما تفرز للمجتمع ظواهر خطيرة كعمالة الاطفال واستغلالهم وظاهرة الزواج المبكر ..الامر الذي يؤدي الى زيادة حجم المشكلات الاجتماعية كإنحراف الاحداث وانتشار السرقات والاعتداء على ممتلكات الاخرين مما يؤدي الى ضعف المجتمع وانتشار الفساد فيه .

وعلى الرغم من انتشار ظاهرة التسرب المدرسي عالميا وكثرة العوامل والاسباب التي تؤدي الى زيادتها في المجتمعات الا انها ظاهرة تتمتع بخصوصية في المجتمع الفلسطيني بسبب طبيعتها والعوامل المسببة لها . ومن هنا ونظرا لخطورة الظاهرة تقوم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية برصد مستمر بشكل سنوي للظاهرة في محاولة جادة للتخفيف منها الى ادنى مستويات .

اسباب التسرب :

للتسرب اسباب عديدة متشعبة ومتداخلة تتفاعل مع بعضها لتشكل ضاغطا على الطالب تدفعه الى التسرب والسير في طريق الجهل والامية ويمكن ايجاز اهم الاسباب بمايلي :

الاسباب التربوية : وتتلخص هذه الاسباب في تدني القدرة على الدراسة والرسوب المتكرر وعدم الرغبة في التعليم الاكاديمي عند الطلبة .

اسباب اجتماعية وشخصية تعود للطالب كعدم الرغبة في التعليم المختلط او الاعاقات النفسية والجسمية للطالب او الخطوبة والزواج المبكران او عدم الرغبة في الدراسة في مكان بعيد عن السكن .

اسباب اقتصادية : وترجع لضعف الحالة المادية لاهل الطلاب الامر الي يدفع الطلبة الى ترك المدرسة بحثا عن اعمال بأجور منخفضة رعبة منهم في اعالة ابائهم وامهاتهم ومساعدتهم .

اسباب سياسية : وهي ناتجة عن ممارسات الاحتلال اليومية بحق الطلبة الفلسطينيين كالاعتقال ومنع التجول والحواجز واغلاق المناطق واغلاق المدارس .

وتشير اخر الدراسات الميدانية السنوية التي اعدتها وزارة التربية والتعليم في (2001-2002 ) ان هناك اسباب ساهمت بحصة كبيرة في ارتفاع نسبة التسرب من المدارس يجب الوقوف عندها بشكل جدي لانها كانت سببا حقيقي في انحراف عدد كبير من الطلبة عن المسار التعليمي وهي:

اولا : الزواج المبكر وهذا غالبا عند الاناث حيث تؤكد الدراسة ان 46.14% من مجموع اسباب التسرب عند الاناث في العام الدراسي (2001-2002) كان راجع الى هذا السبب وترتفع النسبة في العطلة الصيفية , حيث ساهمت الخطوبة والزواج المبكران بحوالي 51.69 % من مجموع اسباب التسرب عند الاناث .

ثانيا : الخروج للعمل وهذا غالبا عند الذكور فقد اكدت الاحصائيات الواردة في الدراسة ان هذا السبب ساهم بحصة 22.55% من مجموع اسباب التسرب في الفصلين الاول والثاني وارتفعت النسبة لتصل الى 25.05 % خلال العطلة الصيفية .

ثالثا : تدني القدرة على الدراسة وهذا ايضا عند الذكور اكثر من الاناث فقد ساهم فقد ساهم بحصة 29.44 % من مجموع اسباب التسرب عند الذكور في العام الدراسي (2001 -2002) وارتفعت النسبة الى 30.60 % من مجموع اسباب التسرب عند الذكور بينما ساهم السبب نفسه بنصيب 13.24 % من مجموع الاسباب عندهن .

تقدم مستمر

تؤكد الدراسة الميدانية التي اعدتها وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي (2001 -2002) انه قد تم تقدم ملحوظ في التقليل من حجم ظاهرة التسرب في المدارس الفلسطينية عن السنوات الماضية , حيث كانت نسبة التسرب الكلي للطلبة في العام الدراسي (1995-1996)في الفصلين الاول والثاني (2.5%) وانخفضت في العام في العام الدراسي (96-97)الى 2.2 % وفي العام (97-98) 1.60 % وفي العام الدراسي (98-99) 1.61 % وفي العام (99_2000) كانت النسبة 1.67 % اما العام الدراسي (2000-2001) فقد انخفضت النسبة الى 1.28% وفي العام الدراسي (2001 -2002) ايضا انخفضت الى 1.17 %
وهذا يعني ان ظاهرة التسرب اخذة بالتناقص وان الجهود المبذولة للحد منها اثمرت وتحقق نتائج ايجابية كما ان ممارسات الاحتلال خلال انتفاضة الاقصى لم تزيد من نسبة التسرب وترجع السيدة سعاد القدومي مدير عام التعليم العام في وزارة التربية والتعليم الى الخطوات الاجرائية التي قامت بها الوزارة للحد من التسرب وللتغلب على كل الظروف , واهم هذه الخطوات ان الوزارة قامت بتنفيذ برنامج خاص لتعليم الطلبة الجرحى كما قامت بفتح صفوف عليا في الكثير من مدارس القرى والاماكن النائية ومدارس جديدة للبدو الرحل على شكل كرفانات او خيم كما فتحت مدارس جديدة للمرة الاولى في التجمعات السكنية القليلة العدد .

وقامت الوزارة ايضا بفك العديد من الصفوف المختلطة في البيئة المجتمعية التي لا تتقبل الاختلاط وقامت بنشر التوعية المجتمعية للحد من الزواج المبكر للفتيات وعمالة الاطفال , هذا بالاضافة الى العديد من البرامج والانشطة والتسهيلات التي من شأنها ان تحد من هذه الظاهرة الخطيرة .

وتبقى اخيرا ظاهرة التسرب من المدارس خطر قائم عصف بمستقل (11096) طالب فلسطيني الى جحيم الامية هذ العام , لذا يجب ان تتكاثف جهود كل من المدرسة والمدرس والعائلة والطالب والمرشد ووسائل الاعلام للتخلص من هذه الظاهرة لنحمي طلابنا من عبور دروب الجهل والامية والضياع .